الهوية الثقافية وتأثيرها على الأديان

لعلّ مقالي هذا سيثير البعض ، إذا قرروا الحكم عليه من خلال عنوانه دون محتواه. غير أنني وإن كنت لست عالماً في اللغة و الفلسفة ولست أيضاً متبحراً في علوم الفقه والشريعة ، إلا أنه من حقي مناقشة موضوع الدين والتديُّن من وجهة نظري كإنسان يحيى على هذه الأرض ، له خصوصيته التي منحها الله له دون باقي مخلوقاته ، والتي تتمثل بإخضاعه الأشياء لحكم المنطق والعقل ، وميله الفطري لإعادة النظر في حكمه على الأشياء ، والقلق المستمر الذي ينتابه لإحساسه الدائم بأن هناك نقصاً ما في كل ما يطرحه من تفسيرات عن منطق الحياة والطبيعة.

فاللغة قد تفشل في أحيانٍ كثيرة في التعبير عن مكنونات النفس الإنسانية ، إلا أن الإنسان في وعيه الثقافي اللحظي مضطرٌ لاستخدام اللغة ومصطلحاتها على علاّتها للتعبيرعما يجول في داخله، حتى لو قاد هذا الاستخدام إلى إن يسيء الآخرون فهمه ، ويفهموه على غير المعنى المراد إيصاله، ولكنها في المقابل تتطور بتطور المجتمع وفكره وثقافته ، فيعاد التعامل مع اللغة بتفاسيرجديدة تختلف عما كانت عليه في الماضي ، وما يكون زيداً في عصرٍ ثقافيٍ ما ، يصبح عمراً في عصرٍ ثقافي آخر.

ولأن اللغة هي وسيلة التواصل ما بين السماء والأرض ؛ كون الكتب السماوية نزلت بلغة الإنسان ، فإنها بالتالي خضعت لنفس المنطق في إساءة تفسيرمفرداتها ومعانيها ، مما جعل تعاليم الدين (( المفسّر)) يعتمد في مجمله على التراث الثقافي للغة ومدلولاتها التي نزلت بها الكتب السماوية ، وهذا التراث هو الذي شكّـل في الغالب هوية الدين وليس العكس ، فأصبح الدّين السماوي أسيراً بيد الموروث الثقافي للمجتمع الذي نزلت به الرسالة السماوية، ولم يسلم من هذا التعميم سوى بعض التعاليم والمفردات والممارسات الدينية كونها كانت حديثة في تركيبتها اللغوية والاصطلاحية على المجتمع الذي ولدت فيه ، وهذا الأمرجعل من فشل اللغة يصب في صالح الدين من حيث أن لغة المجتمع البشري ((صاحب الرسالة السماوية)) وقفت عاجزةًً أمام إخضاع هذه التعاليم والمفردات للهوية الثقافية للمجتمع، فبقي جزءٌ من هذه المفردات والتعاليم والممارسات (سماوياً) نقياً من التلويث الثقافي الإنساني ولو لفترة مؤقتة ، حتى تطوّرالمجتمع فكرياً وثقافياً وبالتالي لغوياً بحيث أصبح قادراً على إعادة تفسير هذه المفردات حسب منظوره الثقافي الجديد ، تفسيراً يتناسب مع خصوصيته الثقافية واللغوية ، وهذا نزع عن هذه المفردات صفة النقاء .

واللغة هي مكون من مكونات الهوية الثقافية للمجتمع، ولكنها ليست المكون الوحيد ، فالعادات والتقاليد والقيم وحتى الأساطير كلها مكونات للهوية الثقافية ، فهي بالتالي عوامل تشكل هوية الدين ، فهي وإن كانت تتأثر بالدين بشكل عام، إلا أن تأثيرهاعلى تعاليمه وصياغة إطاره الإنساني أكبر، فلا غنى عن هذا التأثير ليصبح الدين أكثر فهماً وقبولاً لدى المجتمع .

وأخيراً ؛ من العبث أن نظن بأن الاديان السماوية لم تتأثر بالهويات الثقافية للمجتمعات التي انتشرت فيها ، فنجد أن المسيحية في الشرق مثلا تختلف عما هي في الغرب، وكذا الاسلام ، وايضاً اليهودية. فالمسلمون في ايران والعراق مثلاً حملوا الفكر الشيعي لأنه كان أقرب لثقافتهم ما قبل الاسلام . وأزعم أيضاً أن أهل الشام قد أيدوا معاوية بن ابي سفيان ضد الامام علي نظراً لأن معاوية وما يحمله من ميراث فكري ورثه عن بني امية كان أقرب إلى ثقافتهم ، بل إن ذلك ساعد على استمرار المذهب السني المعتدل في الشام ، بينما كان للمذهب السلفي المتشدد الدور القائد في بلاد الجزيرة العربية بسبب ثقافة المجتمع الذي يحمل لواء الدين هناك.

بقلم:قتيبة صدقه

Posted in politics | تعليقات

مجتمع الفيسبوك

أجمل شيء تم اختراعه هو الفيسبوك، لا تلفون ولا حتى الطباعة فاقت مثل هذا الاختراع. تظل مع الجميع على تواصل ، لكنك في نفس الوقت بعيد عن الشاشة – هذه ميزة ممتازة لمن يحبون التلصص على الآخرين – إذا أعجبك (بوست) معين تضغط (لايك) ، وإذا وجدت هذا (البوست) يثير اهتمام بعض أو كل أصدقائك تضغط (شير) ، وإذا ضايقك شخص ما ولم تعد ترغب بصداقته تضغط (بلوك).

لعل هذا النظام لو تم اختراعه ليحاكي المجتمع العربي لربما جاء بشكل مختلف تماماً عما هو فعلياً اليوم ، ودعونا نتصور كيف سيكون مجتمع الفيسبوك العربي لو كان من أنشأه قد فكر بعقلية المجتمعات العربية.

أولاً : سيكون فيسبوك البنات منفصل على الشباب أو على الأقل أنت بحاجة لإذن خاص لإضافة بنت ان كنت شاباً، ربما من إدارة الفيسبوك أو من عشيرة البنت.

ثانياً: سيكون محظوراً على جميع المشتركين إضافة الصور الشخصية والعائلية وصور البنات وأي صور تتعلق بذلك لأن ذلك عيب وحرام وما بصير ووووو ….الخ ، وبالتأكيد سيدخل تحت هذا البند قائمة طويلة من المحرمات التي لم ينزل بها سلطان.

ثالثاً: لن يكون هناك بلوك لأي شخص بالطبع لكونه صاحبك وحبيبك ، ولايجوز أن (تزعله) وكون (في بينكم عيش وملح ومسخن ومناسف).

وبالطبع هناك رابعاً وخامساً وسادساً وعاشراً، وسيكتشف المخترع العبقري بعد كل ذلك عبثية هذا الاختراع وعدم جدواه في تسهيل التواصل مع الناس في ظل الاسوار التي بناها لتعقيد هذا التواصل لاتسهيله ، ثم ينتهي الأمر بهذا المخترع للعمل (بيّاع بليله) ، بدلاً من أن يصبح أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في العالم الحديث.

ما دفعني لكتابة هذه السطور هو أنه من أجل أن نتقدم في حياتنا يجب علينا أن نفكر وننظر للأمور بشكل مختلف ، ومن أجل أن نلحق بالآخرين علينا أن نعيد النظر في المنطق الذي يحكم علاقتنا بالناس والأشياء ، وإلا فسنبقى أبد الدهر في ذيل الأمم.

قتيبة صدقه

Posted in politics | أضف تعليقاً

تحيا المقاومة ، ويحيا الاستحمار


بعد مشاهدتي لتلفزيون المقاومة العتيد ، قررت وأنا بحالة غير معتبرة لا شرعاً ولا قانوناً أن اخرج بهتافات صارخة (تحيا المقاومة). سألف جسدي بعلم الدولة الأكثر ثورية في العالم ، وسأحتضن صورة زعيم الثوار والثوريين، واهتف وأهتف ، حتى يبح صوتي ، فاستعين بكل أصوات (رجالات باب الحارة) ليكملوا هتافي ، ثم اتجه نحو درعا ، فأصب لعناتي على هؤلاء الذين ارتضوا على أنفسهم أن يكونوا مطايا يركبها المستعمرون ليدخلوا منها إلى قلعة الثورة الحصينة ، ولن أكتفي بذلك ، بل سأثبت لهم أن أرض المنعة والعزة لن تكون حتى مقبرة لرفاتهم ، سأنبش قبورهم كما فعل العباسيون بقبور أمراء بني أمية ، فهي أرض لا يستحقون أن تحتضنهم، لانها أرض الثوار ، أرض الأسود والنمور والفيلة والضباع وأبناء أوى، ولا مكان لهؤلاء فيها.

أنني وأنا المأفون أعلاه ، أعلن – ومعي كل المأفونين على هذه الأرض – برائتي التامة من كل الثوار والمطالبين بالحرية ، وإنحيازنا التام إلى الشرعية الاستحمارية التي يمثلها نبي الثوار ، محرر الجولان ، وأن كل هؤلاء الناس ليسوا سوى عملاء ومندسين و (ملعونين والدين) ، وسيدفعون ثمن ذلك غالياً.

تحيا المقاومة ، ويحيا الاستحمار
بقلم:قتيبة صدقه

Posted in politics | أضف تعليقاً

“دكّ المَزِط مَحَلّهُ”


من يشاهد الحراك الداخلي الفلسطيني هذه الايام يَظـُن أن الوحدة الوطنية “تـَـكّـة” “وتًــسـًتوي”، وإن هذه القيادات قلبها على فلسطين أرحم من قلب الأم على فلذة كبدها . وربما هذا عائدٌِ بالدرجة الأولى إلى التطورات الإقليمية من حولهم. فيحاول (الشباب) عملاً بمبدأ (التلون) الذي امتهنوه خلال عقود من العهر السياسي أن يتماشوا من الظروف الحالية ، لما فيه مصلحة الأرصدة والدولارات ، تصريحات هنا وهناك,، اتهامات متبادلة بالتسبب بالانقسام واستمراره ، وكله (ببيعك وطنية)، حتى تمر العاصفة كما مرت غيرها من العواصف التي استطاعوا تجاوزها (بالحنكة) والدهاء ولبس (اللبوس المناسب) او (عدّة النصب المناسبة) كما يقال ، التي تتناسب مع الظرف القائم.

في طفولنتا ؛ كانت لعبة (الجلول، AL-GLOOL) أو (البنانير) أو سموها ماشئتم هي إحدى الالعاب الأكثر شعبية بيننا ، وأعترف لكم ، أنني كنت (أفشل) ولد في هذه اللعبة رغم محاولتي المتكررة لإتقان مهاراتها ، ما استوقفني من قوانين هذه اللعبة ومازال عالقاً في ذهني إلى اليوم : أن اللاعب إذا لمس (الجلّ) على سبيل الخطأ ، أو رماه ولم يحسن التسديد يصيح اللاعبون الآخرون : “دكّ المَزِط مَحَلّهُ” ، أي أنه لا فرصة أخرى لك للتسديد مرة أخرى ، ولن يسمح لك بذلك، فقد أخذت فرصتك.

باسم كل أم فقدت طفلأ في حربنا من أجل النور ، باسم كل عجوز خرج قلبه مع جذور زيتون اقتلعته جنازير الموت الأسود. باسم كل شاب مات وهو يحلم بحضن فتاة يضمه مع خيوط الشمس الأولى ، أخرجوا من تاريخنا ، أخرجوا من حياتنا ، أخرجوا من مائنا …. من خبزنا….من هوائنا….من ترابنا….جميعكم….بلا استثناء .

لنقل للجميع….”دكّ المَزِط مَحَلّهُ”….. لحماس …. “دكّ المَزِط مَحَلّهُ” … لفتح …. “دكّ المَزِط مَحَلّهُ”… للفصائل….. يمينها ووسطها ويسارها….”اللي قاتل في بيروت واللي سِكر في دمشق …”دكّ المَزِط مَحَلّهُ” .. ” ” اللّي طخ رصاصة عن بعد عشرة كيلو على جاجة اسرائيلية …والّلي سرق منو ريغان برنامج حرب النجوم”…” الليّ بنى ابراج من مساعدات “قواريط” الشعب الفلسطيني “…. “والليّ بوخذ أتاوات على حليب الأطفال على أبواب الانفاق في غزة” ….. “دكّ المَزِط مَحَلّهُ”

“خلاص” بكفي ……. حّلوا عنا… من الآخر…..” قرفتونا “

Posted in politics | أضف تعليقاً

Posted in politics | أضف تعليقاً

التحضير للمعركة

اشتريت كافة اللوازم لحرب طويلة الامد، عتاد كامل للمعركة، نصبت دوشكة على سطح المنزل – من يتذكره؟ حفرت خندق داخل صالون المنزل المتواضع عبارة عن فرشتين متباعدتين تتسعان لجسم مشبع بالهزائم ، بالطبع المتاريس ضرورية للتصدي للزحف العرمرم، مخدات مختلفة الاحجام والاشكال: ، واحدة خلفي وأخرى امامي وعن يميني وعن شمالي ، حتى احتمي من أي قصف يفاجئني من أي جهة كانت ، وفرة الذخيرة ضرورية هي ايضاً لمعركة طويلة ، شباشب (وصرامي) من مختلف الماركات الصينية ذات الماركات الرديئة لإطلاقها على كل من تسول له نفسه وقف مسار المعركة المقدسة التي ستشتعل فور اعطائي اشارة البدء . وبالطبع وجود خوذة على الرأس هام لحماية الرأس من الرصاص المتطاير في أرض المعركة . اشتريت خوذة ممن يلبسها سائقي الدراجات (البسكيليتات) ، ورغم انها صغيرة لا تكاد تدخل في رأس ملأته عقود من تخاريف البطولات الوهمية ، إلا انها تفي بالغرض.

أيضاً الخدمات الطبية المساندة أحد الامور التي تساهم في انقاذ الارواح خلال المعركة ، حبوب الـ(البيبي اسبرين) لمنع الجلطات المفاجئة ، و (الفياغرا) لتبقى الامور تمام ، ولمنع اضعاف الشعور القومي خلال الحرب. بدأ العد التنازلي ؛ تصدرت مقدمة الحشد بينما اتخذ باقي الجنود من افراد الاسرة أماكنهم خلفي استعداداً للمعركة ، لأن من سمات القائد الفذ أن يكون على رأس جنوده في النزال. أمسكت الريموت كونترول وبدأت بمشاهدة قناة الجزيرة.

قتيبة صدقة

Posted in politics | تعليقات

عرس البساس

بقلم: قتيبة صدقه

لا ادري لم حضرت إلى ذهني هذه القصة الشعبية اليوم بالذات، ربما لأن هذه الايام هي موسم التزاوج للقطط ، ولعل كل ساكني الاحياء الشعبية بلا استثناء، وكل من يوجد بقرب سكنه حاوية نفايات قد شعر بهذا الامر بقوة ، من عزف متواصل لسمفونية المياوووووووووو طوال الليل ، ومطاردات انتشرت من الحاويات واسفل السيارات إلى سطوح المنازل ونوافذ البيوت ذات الطابق الواحد، واذا اشتدت المطاردات (البسّية) فربما امتدت إلى الطوابق الاعلى حسب نشاط القط وسرعة القطة في الهروب من المطاردة .

ملخص القصة الشعبية لمن لا يعرفها أن فتاة خرجت لجمع العشب لأغنامها في يوم من ايام شباط ، ففاجئتها أمطار غزيرة ألجأتها إلى احد الكهوف لتجد جمعاً من القطط يحتفلون بعرس لهم ، وعلى نغمة – مياوو مياوو فوتي جوّه – الصادرة من القطط للفتاة دخلت الفتاه للكهف، وامتدحت عرس هذه القطط ، فدعون لها ان تسقط قطعة ذهب مع كل كلمة تنطقها تقديرا من هذه القطط لامتداح الفتاه لعرسهن، ولأن (باب السما مفتوح) كما قيل ، اخذت الفتاة تسقط قطعة ذهب مع كل كلمة تنطقها، وبالطبع للقصة بقية لامجال لسردها نظرا لاحتواء القصة على ايحاءات امتنع عن ذكرها كي لا أخدش (الحياد العام ) كما كان المبدع محمد طمليه رحمه الله يقول دائماً.

الأمر الآخر الذي استوقفني عند هذه القصة هو استفتاء جنوب السودان ، ذلك ان حروباً طويلة قامت بين الاخوة في السودان من اجل أمور كثيرة منها : مطالبة الجنوبيين مساواتهم  في الحقوق وتوزيع الثروات ، واستثنائهم من تطبيق الشريعة وغيرها الكثير ، لتسفر في النهاية عن استفتاء محسومة نتائجه سلفاًَ: تقسيم البلد الواحد  ، الذي ربما يقود إلى تفتيته لاحقاً إلى دويلات صغيرة، لا اعتقد انها (ستموت في دباديب بعضها البعض).

ما يثير الاستغراب والدهشة ، لماذا فقد السودان خيرة شبابه في حرب ضروس ولعشرات السنين للدفاع عن وحدته ما دام الامر سينحو هذا المنحى؟ هل كان يمكن تجنب هذه النتيجة لو حصل الجنوبيون على مطالبهم من حقوق المواطنة ، والحفاظ على خصوصيتهم الدينية والعرقية في ظل سودان موحد؟ نطق السودانيون ، ومع كل كلمة تسقط جوهرة من افواهم : ” سيتم تطبيق الشريعة الصارمة  في الشمال (السودان الجديد) في حال الانفصال” ! هل كانت وحدة السودان عائقاً امام تطبيق الشريعة ؟ اذا كان الامر كذلك فلم ناضل الجنوبيون من اجل الاعتراف بهويتهم الدينية بعيداً عن قوانين الجلد وغيرها من  الحدود التي طبقت طوال سنوات طويلة في السودان شماله وجنوبه؟ هل تطبيق الشريعة يتم من خلال تطبيق الحدود (قانون العقوبات الاسلامي) فقط أم هي روح الاسلام في التعامل مع الآخر وقبوله بدينه،  بثقافته، ، بعرقه، اي قبوله كما هو ؟ اذا كان الاول فليس هذا بالاسلام حتى لو انفصل جنوب السودان ، اما اذا كان الثاني فالوحدة لم تكن ابداً عائقاً امام ذلك ابدا، ولكنها السياسة البغيضة ، وطمع الانسان بأخيه الانسان حتى لو كان هذا الانسان ابن وطنه وجاره واخاه وشريكه في الهوية والمصير.

وقانا الله واياكم شر الفرقه والطمع، ويومكم بسّام.

Posted in politics, Uncategorized | تعليقات